محلي

إعلانات على “فيسبوك” لتعليم حـقـن البـوتـوكـس والـفـيلر.. هل أصبح الطب سهلاً و “رخيصاً” في سوريا لهذه الدرجة

بعد أن ازدادت أعداد مراكز التدريب وكثر انتشارها في شتى المجالات، بدأت تشيع عناوين رنانة لدورات تدريبية تغني عن علوم وسنين دراسية طويلة يفنيها آخرون في الحصول على شهادة بالتخصص المرجو.

فتلعب الأولى (أي الدورات) بعقول تثير الشفقة حين يظن الشخص بعد حضورها (الدورة التدريبية) ذات الأيام المعدودة، أنه امتلك أدوات المعرفة ومفاتيحها المودية لأوسع أبواب الشهرة والنجاح ومزاولة مهن كالطب مثلاً.

وكان آخر ما أعلن عنه في سوريا من الدورات المزعومة على صفحات شبكات الأخبار في موقع “فيسبوك”، كورس تعليم “حقن الميزو والفيلر والبوتوكس”، و هي أشهر المواد التي يتم حقنها في الجسم، لنفخ وتكبير وتغيير الشكل.

إعلانات فيسبوكية “مثيرة”

يستميل الإعلان الذي نشر على أحدى الصفحات الأخبارية في اللاذقية في لهجته التي تتحدث عن “رغبة الأطباء في افتتاح كورس جديد بعد نجاح الأول”، و”محدودية الأماكن” الكثير من الأسئلة عن التفاصيل التي سترد “بعد التعليق بنقطة”، على منشور إعلان دورة الحقن التي ورد أنها موجهة “للأطباء والصيادلة وطلاب الطب البشري وحتى الأسنان” في محافظة اللاذقية، دون الكشف عن هوية الجهة القائمة على التدريب.

وتقصى تلفزيون الخبر عن تفاصيل “كورس الحقن”، من خلال التواصل مع الجهة المنسقة مجهولة الهوية، لمعرفة طريقة التسجيل، وتبين بحسب حديث المشرفين أن “الدورة تستمر لمدة أربعة أيام، ساعتين في اليوم، ثلاثة منها نظرية واليوم الأخير عملي، حيث يقوم المدرب (وهو طبيب جراحة تجميلية) بتطبيق “البوتوكس والفيلر” من خلال مواد يؤمنها المركز، على متبرعين، ويمكن للطلاب تنفيذ “ميزوثيرابي” على بعضهم للراغبين فقط “.

مئات الدولارات كلفة الدورة والشهادة

وبحسب القائمين على التدريب، تصل كلفة الدورة ذات الأيام الأربعة إلى “175 ألف ليرة سورية، تدفع على يومين أخرها في اليوم الأول للدورة”، وعند سؤالنا عن ترخيص المركز والاعتراف بالشهادة قيل لنا أنها “صادرة عن أكاديمية لندن للتجميل وطب الأعشاب”

وبحسب المنظمين فإن هذه الأكاديمية هي غير مرخصة نقابياً في سوريا، ولكن تصدق من الخارجية على حساب الطالب بكلفة تعادل “650 دولار أمريكي” منفصلة عن كلفة الدورة، كونه لا يوجد مكتب للتصديق في سوريا، بل ترسل الشهادة إلى بيروت كي تتم معاملة التصديق التي يختارها الطالب إذا رغب.

واتضح من خلال الحديث أن الشهادة المكلفة لقرابة 800 دولار، مع التصديق ورسوم الدورة، هي شهادة “خبرة وحضور” وليس “مزاولة مهنة”، كما ذكرت المتحدثة “كل واحد بيشتغل على مسؤوليتو، منتازة للسفر”.

ترخيص بريطاني لدورات تجميل سورية

وورد في الإعلان أن الدورة مخصصة “للأطباء وطلاب الأسنان والصيدلة والطب البشري”، ولدى تساؤلنا (منتحلين صفة شخص يريد الاشتراك بالدورة)، حول إمكانية تسجيل شخص آخر من خارج الإختصاصات المذكورة فجاءت الإجابة تنفي ضرورة التخصص في واحد منهم، إلا أنه تعذر التسجيل عند ذكر تخصص خارج عن الاختصاصات الثلاثة السابقة، لعدم وجود “خبرة سابقة في الحقن” دون التأكيد على الرفض الكامل، حيث قالت ” شوي صعب نسجلك بالدورة، بعتذر”.

وللتأكيد على مصداقية المركز، ارسلت الجهة التي تواصلنا معها بغرض التسجيل، رابط لصفحة على “فيسبوك”، باسم “Active”، تعرف عن نفسها بأنها ” شركة تدريبية معتمدة من البورد البريطاني للتدريب والاستشارات”، وناشرة لـ” ملف اعتمادات وتوثيقات البورد البريطاني للتدريب والاستشارات _المملكة المتحدة”، الذي يضم شهادات مصدقة من سفارات دول عربية في لندن منها (السعودية- اليمن- العراق- مصر)، والاعتراف بالشهادة من منظمات وهيئات دولية، وسوريا ليست من ضمنها.

وخلال تصفح أي زائر لمضمون الصفحة، يجد أنها لمركز تدريب مهني-تجميلي، يعلن عن دورات خاصة بالقص وألوان الشعر، والأظافر، وإطالة الرموش، وغيرها من مهام مراكز التجميل.

صحة اللاذقية تنفي وجود المركز الموجود .. ولم تكلف نفسها عناء السؤال عن عنوان المركز

وتم التواصل مع مدير صحة محافظة اللاذقية، الدكتور هوازن مخلوف، الذي أكد بدوره أنه “لا يوجد أي أكاديمية تحمل الاسم المشابهة، لا في سوريا، ولا في بريطانيا حتى، وأن هذه دورات ممنوعة”.

وأوضح بحسب “تلفزيون الخبر” أن “حقن البوتوكس والفيلر ممنوع ممارسته منعاً باتاً إلا من قبل الأطباء، حتى علاج “الميزوثيرابي” الذي يعتبره هؤلاء إجراء بسيط، يمنع إجراءه إلا بين طبيب أخصائي جلدية، أو جراحة تجميلية، وهذا القانون ليس في سوريا وحدها، بل في العالم أجمع”.

وذكر الدكتور مخلوف أن “الإجراء المتخذ في مواقف مشابهة هو الإغلاق، كما جرى في اللاذقية منذ مدة قريبة، حين أغلقت مراكز تجميل، وعيادات طب أسنان تمارس الحقن دون شهادات”.

وانتهى الحديث الهاتفي مع مدير صحة اللاذقية دون أن يسأل عن عنوان المركز الذي أعلن عن الدورة التدريبية، ولا عن الدورة المعلن عنها ، مكتفياً بالقول أنها مخالفة للقانون وممنوعة .

وماذا عن القضية من الجانب العلمي

توصلنا مع الدكتور فراس ملحم، أستاذ ورئيس شعبة الجراحة التجميلية والترميمية والحروق في مشفى تشرين، لمعرفة رأي الطب والعلم في هكذا دورات، حيث قال أن ” ظاهرة الدورات المذكورة ظاهرة مؤسفة تعبّر عن مدى الاستخفاف الذي وصل إليه البعض بصحة الناس””.

وأكد الدكتور ملحم أنه “عالميّاً فإن حقن البوتوكس والفيلر و”الميزوثيرابي” تحق ممارسته للطبيب البشري الحاصل على ترخيص مزاولة المهنة بالتجميل بشقيه الجلدي أو الجراحي، بمعنى أن الطبيب الذي درس الطب ثم أنهى أحد الاختصاصين المذكورين خلال سنوات من الدراسة مما سمح له بالقيام بالحقن”.

ويرى أن “الموضوع يتجاوز الجانب القانوني فهناك جانب إنساني أدبي أخلاقي إذ أنّ الحقن يتطلب معرفة تشريحية كاملة للوجه مع معرفة المواد المسموح استخدامها، علاوةً على إدراك المخاطر المترتبة عن الحقن الخاطئ أو استعمال المواد سيئة الجودة على الشكل والصحة عموماً.”

وأكد الدكتور ملحم على ضرورة التقيد بالاختصاصات الطبية وهل يسمح إجراء دورة لعدة أيام لأحدٍ ما بممارسة إجراءات طبية يقوم بها من استغرق به الوقت سنوات للإحاطة بجوانبها كافّة؟”.

ويلفت إلى أن “إتقان أي إجراء طبي ليس مجرد تلقين فقط وإلا فما حاجتنا بدراسة الطب وإنفاق السنوات للحصول على هذا الاختصاص أو ذاك، وللأسف مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي روجت لإجراءات التجميل دون ضابط يحدد ما يلزم وما يصح وما هو آمن وما هو خطير، جاءت هذه الدورات والتي في نهايتها يحصل الشخص على شهادة حضور ولكنه بالحقيقة يعتبرها للأسف تصريحاً يخوّله بوزاولة العمل دون رادع أو ضابط”.

ويشير د.ملحم إلى أن “رغبة البعض بالتقليد الأعمى لغيرهم أو اعتقادهم بأن هذا الإجراء أو ذاك سيؤمن لهم تحسيناً ما تلك الرغبة استغلها البعض للترويج وإجراء إجراءات تجميلية دون وجود حاجة حقيقية لها بل وبيد غير خبيرة، كيف لها أن تميز المواد الفعالة وغير الفعالة؟، وكانت خضعت لمثل الدورات المذكورة في أحيان كثيرة مما نجم عنه تشوهات شكلية واختلاطات كثيرة لاتكون فورية بل على الأمد البعيد”.

وينوه الدكتور إلى “تزايد عدد المراجعين الذين عانوا من اختلاطات الحقن لمواد ذات نوعية سَيِّئَة وبيد تفتقر للخبرة مما يصعب إصلاح تلك الاختلاطات وهنا لا يفيد الندم، مع الأخذ بعين الاعتبار أن التصحيح في بعض الحالات شبه مستحيل بالشكل المثالي، وبهذا تتولد خيبة الأمل على كافة الأصعدة المادية والمعنوية والجمالية”.

ومع أن شارعنا السوري يعرف بمثل “أعطي الخباز خبزه، ولو أكل نصه”، بات اليوم يتاجر بالأجساد البشرية من خلال استغلال هوس تجميلي، في وسط اختلط فيه الحابل بالنابل، والبقاء فيه لمن يفلح في إعلان مثير، وعروض مادية مغرية، بعيداً عن الالتزام بقواعد مزاولة واحدة من أخطر وأشق مهن العالم، “الطب البشري”، ثم يبدأ ضحاياهم بالبكاء والنحيب على خسارة في الجسد لا تعوض، وسط غياب دور رقابي يحدد عمل كل شخص في المكان والاختصاص الملائم والصحيح.

لين السعدي – تلفزيون الخبر

زر الذهاب إلى الأعلى