محلي

المدرّس مشهور الأسعد .. إرث ثقافي وإنساني من حمص

لأبٍ لماحٍ تمتع بإرادة نافذة تحث أهل قريته على رفض الظلم الذي يلاحقهم حتى في أحلامهم، ولجدٍ يدعى ( مهنا أبو شاش ) والذي استشهد في إحدى المواجهات المسلحة مع ” الآغاوات” وأعوانهم في معركة ضهر القصير دفاعاً عن ممتلكات الفلاحين ورفضاً للاستغلال والعبودية ،كانت نشأة المدرس مشهور الأسعد .

كان لايزال صغيراً، بيدين باردتين ، ووجهٍ بريء حين لبس شاربين لمملكة من رجال ، يقف حيث ينتهي الطريق الترابي في قريته ” فلة ” ويرنو إلى الخلف متأثراً بتلك البيوت الخاشعة من شدة البؤس وتلك الوجوه التي تستيقظ قبل الشمس فتزرع وتحصد ليذهب الرزق إلى قصر ” البيك ” الجاثم على صدور أهل القرية .

يشقيه مذ كان صغيراً أن يرى لحية بيضاء حكم عليها التاريخ، أو ولد يلهث وراء رغيف من الشعير أو لعبة ممزقة، فهو ابن جيل حكم عليه بما تراه العين، جيل صارع الموت في سبيل الحياة فلفحته الريح الساخنة وأيبست يناعة بشرته وزادته قساوةً .

كان مشهور الأسعد ، فلاحاً يتقن الغرس والحرث والكلمة في ذات الحين ، درس في أربعينيات القرن الماضي في مدرسة القبو، فلا تخلو ذاكرته من صوت الذئاب التي رافقته في طريق الذهاب لتلك المدرسة .

وانتقل بعدها إلى مدرسة التجهيز الأولى بحمص ليتخرج منها عام 1955 ، حيث تم تعيينه معلماً وكيلاً في قرية نوى بريف حمص الشرقي، ومنها إلى قرية الكوم في بادية تدمر ثم الى قرية عرقايا بريف حمص الغربي .

لم يتوقف مشهور الأسعد، أبو يسار، عن التحصيل العلمي ، حيث درس وتخرج من دار المعلمين بحلب عام 1959 وتعين معلماً أصيلاً في مديرية تربية الرقة، ليتوقف عن التعليم بعدها لمدة سنتين قضاهما في الخدمة العسكرية .

انتسب أبو اليسار إلى كلية الآداب في دمشق وتخرج منها عام 1967 وعين مديراً لإعدادية صقر قريش، ثم مديراً لثانوية ابن خلدون في الرقة قبل أن يلتحق في الخدمة العسكرية الاحتياطية والتي بقي فيها حتى رتبة نقيب احتياط مشاركاً بحرب تشرين 1973 .

وقف بحزم في ثمانينيات القرن الفائت خلف قرارات استملاك أراضٍ تبلغ قيمتها عشرات الملايين حارماً سماسرة العقارات من خنق أحياء المدينة، ومنها استملاك العقار 2599 لبناء مدارس أم الخير وحسن الكردي ومتعب الدرويش والعقار 942 لبناء مجمع المدارس قرب كاسر الضاهر وحديقة المهاجرين وموقع مقسم الهاتف الحالي .

كما عمل بروحه الثائرة على استصدار قرار استملاك للمنطقة التي بنيت فيها محطة ضخ خزانات الزهراء والأرض التي تقع قربها لبناء خزانات مياه أرضية للمواطنين .

خفر أبو اليسار يدي زمن من ضعف المعرفة فتكلم حينما ساد الصمت، واجتهد حينما كان الكسل والتراخي عنواناً للتهرب من المسؤوليات، وتصدى بقبضة رجل عركته الحياة لقرار رئيس مجلس مدينة حمص الذي يهدف إلى هدم منازل المواطنين على الجهة الشرقية لاتوتستراد الستين مؤمناً بأن الفقراء وحدهم من يحمي وسيحمي البلد .

عمل بعدها مدرساً في ثانوية الحسن ابن الهيثم بحمص ثم إعدادية حسن الكردي واستلم إدارة ثانوية محسن عباس وبعدها ثانوية نظير النشواتي عام 1986 وتم ايفاده للتدريس في الكويت لمدة عام .

بعد عودته من الكويت تقدم بطلب إحالته على التقاعد، وبدأ العمل في تعهدات البناء وتنفيذ عدة مشاريع حكومية خسر فيها جميعاً ، نتيجة تقلب أسعار مواد البناء في تلك المرحلة ونتيجة حرصه على تطبيق السلامة الانشائية والمواصفات .

تعرض لانتكاسات مالية أفقدته كل ما يملك ووقفت أم يسار إلى جانبه وخففت مصابه ، مولية الشأن الأكبر لتعليم الأولاد وتربيتهم .

سافر بعدها للعمل في ليبيا والكويت والسعودية، وعاد ليشتري أرضاً زراعية في قرية عين حسين وغرس فيها آلاف الأشجار المثمرة وبنى مداجن كان للفقراء في القرى المجاورة حصة من كل عملية إنتاج .

في عام 2000 وعلى مدى عام ونصف من المراجعات لدوائر الدولة أنجز أبو يسار سلسلة خدمات لقريتي تلعمري والفردوس على طريق حمص – السلمية فأمن لهما الكهرباء والمياه والهاتف .

في نهاية التسعينيات زار ابنه الأكبر يسار والذي كان موظفاً في مديرية نقل الحسكة فرأى أن حي غويران ينقصه الكثير من الخدمات، فبدأ يطرق أبواب الجيران ليحصل على الاذن في تمثيلهم .. فمنحوه الاذن باستغراب وبدأ بمساعدة محافظ الحسكة الأسبق صبحي حرب بإعادة تأهيل عدد كبير من شوارع الحي .

انكب أبو اليسار على الكتابة والتأليف فانجز 6 كتب في اللغة العربية والآداب وعلوم الأديان وعدة دراسات أخرى تتعلق بالشأن الإنساني .

أبو اليسار ، الرجل الثمانيني ،الذي ترك خلفه إرثاً ثقيلاً ،لاتكل همته المتواضعة ، عن تفقد أصدقائه ومعارفه كلما سنحت الفرصة ، يبتسم حين يراهم ويخرج من جيبه دفتراً صغيراً خط فيه بضعه أسماء بتأريخ محدد ليؤكد أنه لا ينسى أحداً وأن الجميع في الذاكرة الحديدية التي يمتلك .

محمد علي الضاهر

زر الذهاب إلى الأعلى