محلي

من حكايات البحر التي لا تنتهي .. صناعة القوارب حرفة عريقة مهددة بالزوال

بأخشاب سوريّة، كانت ولازالت تُصنع القوارب الصغيرة منها والكبيرة، على أرض جزيرة صغيرة يحملها البحر بخفة، ويحمله اهلها في تفاصيل حياتهم اليومية، فهم البحارة والصيادون وصانعو القوارب.

“وراثة وفطرة”، بهاتين الكلمتين يصف أحد أبناء ال “بهلوان” صناعة القوارب التي ورثها عن أجداده، وهم العائلة الوحيدة التي تعمل في هذه الحرفة، في جزيرة أرواد منذ أكثر من 200عام.

يقول ابن العائلة الأروادية، الذي فضل عدم ذكر اسمه الأول، ” صنعت عائلتي مختلف أنواع وأشكال السفن والقوارب، والتي بدأت بقوارب صغيرة بأشرعة “الشختورة” ثم “الفلوكة”، والتي تطورت من عدة نواحي وأصبحت تسمى اللنش كما هي معروفة اليوم “.

ويشرح بهلوان “نبدأ بالعمل من العمود الفقري والذي يسمى بلغة الصانعين الابريم و الغروة والموخر، ثم يوضع الهيكل والذي نسميه الأضلاع أو أعواد الآلة، والذي يتم تهيئته للتغليف أو التلويح ( وضع الالواح)، ثم يوضع الغلاف الخارجي وهناك خطوات اخرى لكن تعتبر سر المهنة بالنسبة لنا “.

وعن الأخشاب المستخدمة وطريقة الصنع يقول بهلوان ” نصنع ما يسمى العمود الفقري أو الهيكل العظمي للقارب من أخشاب سوريّة، مأخوذة من أشجار مثل الكينا والسرو والتوت والسنديان، ولكن الغلاف الخارجي يصنع من خشب الميغانو أو الشوح المستورد من روسيا او رومانيا، حيث تستورده الدولة ونحن نشتريه لصناعة القوارب”.

ويوضح ابن أرواد “حاليا تغيرت أنواع الخشب المستخدمة في الصناعة، كما تغير شكل الهيكل الخارجي، ويستخدم اللنش للصيد ونقل الركاب من الجزيرة الى مدينة طرطوس وبالعكس”.

ويتابع “اللنش صغير ولا تصلح قياساته للسفر في المحيطات البعيدة ونستخدمه في نطاق البحر المتوسط والمدن القريبة، كما أننا كنا نصدر عملنا إلى مختلف البلدان وشواطئ البحر المتوسط”.

ويصف عملية “بناء القارب”، كما يسميها بلهجته الأروادية المميزة، “هي فن وتعتمد على مخيلتنا، ويمكن القول أنها أصبحت جزء من حياتنا كأنها عادة يومية ولا نحتاج فيها إلى مراجع أو كتب أو تعليم مهني فهي صناعة يدوية، وفي مراحل لاحقة أصبحنا نستخدم المنشار الكهربائي، وأدخلت المحركات لكن حتى إدخال القطع الكهربائية يتم بطريقة يدوية”.

ويضيف ” نختار لقواربنا ومراكبنا أسماء جميلة كأننا نسمي أولادنا، وفرحة إنجاز العمل، لا تضاهيها متعة بالنسبة لنا، فهي مثل إنجاز تحفة فنية رغم صعوبتها والجهد الكبير المطلوب فيها”.

وهي كأي مهنة أخرى تعاني من صعوبات ونالت نصيبها من آثار الحرب وارتفاع أسعار المواد، يقول بهلوان “تراجع العمل في السنوات العشر الأخيرة وأصبح الحصول على الرخص صعبا، اذ منعت وزارة النقل ولفترة طويلة رخص الإنشاء، ولا انوي تعليم أولادي هذه المهنة فهي لم تعد تطعم خبز، وأشعر بالحزن لاندثار هذه الحرفة”.

ويظهر مقطع فيديو فرنسي على “يوتيوب”، يعود تصويره لعام 1934، الجزيرة ومجموعة من بنائي السفن يعملون على نشر الأخشاب وجمع الألواح لبناء سفينة كبيرة، يقول ابن عائلة بهلوان أنهم أجداده، وأن المقطع المصور بألوان الأبيض والأسود يعود لفترة الاحتلال الفرنسي لسوريا.

وتقع جزيرة أرواد على بعد 5 كم من شاطئ مدينة طرطوس، و يبلغ عدد سكانها 10.000 نسمةٍ، وكانت قبل 4000 عام مملكةً قوية انطلق منها الفينيقيون لتأسيس حضارتهم ، وتتميز بطابعها التحصيني ففيها قلاع وحصون، ويمتهن سكانها صناعة القوارب، والأشغال اليدوية الصدفية، بالإضافة إلى مهنة الصيد.

تلفزيون الخبر

زر الذهاب إلى الأعلى