“فالوجيين” .. أولئك الذين قفزوا من شرفة الفيسبوك إلى الشارع مباشرة

في ظل سيطرة العالم الافتراضي على حياتنا اليومية، وانتقال الانقسام السوري في المجتمع إلى ساحات الفيسبوك, ولدت في إحدى ساحات مواقع التواصل الاجتماعي مجموعة صغيرة اشتهرت باسم “فالوجيين” وهي مفتوحة لكل من يحمل الجنسية السورية في شتى أنحاء العالم.

أصل الحكاية

في بداية عام 2016, بدأ طالب في كلية الحقوق مقيم في دمشق، مع أصدقائه, بتأسيس مجموعة تضع كل الانقسامات السياسية والفكرية والايديولوجية جانباً، واعتماد فكرة وحيدة: سوريا. هكذا قام عماد عيسى، والذي يعمل حالياً في مجال الإذاعة والماركيتنغ، بإنشاء مجموعة على موقع الفيسبوك اسمها “الفالوجيين”، آملاً أن تجمع السوريين من شتى أنحاء العالم، ومن مختلف الانتماءات السياسية والفكرية.

يقول عماد عيسى: “أردنا تأسيس سوريا صغيرة تجمعنا افتراضيا, ففي هذه المجموعة يساعد بعضنا البعض بغض النظر عن الانتماء السياسي والفكري والطائفي والكل قلبه على الكل”.

يتم قبول الأعضاء الجدد في المجموعة على أساس معيار واحد: الجنسية والجنس، فالمجموعة للذكور فقط, ويبرر عماد هذا الشرط قائلاً: “لا نعنى بالتمييز بين الجنسين نهائيا, وإنما نريد أن تكون هناك مساحة خاصة للشباب الذين تعجبهم الفكرة ويكرسون فيها نظرة أخرى في عالم الفيسبوك، مفادها أن الشباب قادرون على تقديم نموذج مميز في التفاعل مع بعضهم البعض بعيدا عن الاستعراض أمام النساء”، ويضيف: “عدم وجود النساء يحد من الخلافات ويعطي الرجال مجالاً لأخذ راحتهم في الحديث ولتفادي المشاكل السائدة بين الجنسين من تحرش ومحاولات التعرف, ويعطي المجال لمناقشة العديد من المواضيع الحساسة, خاصة عبر منشورات طلب المشورة”.

ما معنى فالوجي؟

كلمة “فالوجي” مستمدة أساساً من “الفالج”، ذلك المرض الذي يشل جسد المريض ويعطل ذهنه، غير أن الكلمة دخلت حقلاً دلالياً مختلفاً فصارت تعني في اللهجة العامية “المدهش” و”الخارق”، فالفالوجي هو ذلك الشخص الذي يشل من شدة إبهاره!.

تحوي المجموعة اليوم ما يقارب 215 ألف فالوجي وجميعهم يحملون الجنسية السورية, يقيم الأعضاء في معظم أرجاء الداخل السوري وخارجه في شتى أنحاء العالم، وتضم مشاهير الممثلين والمغنيين، حتى أنه تم إنتاج أغنية خاصة عن المجموعة اسمها “نحنا الفالوجيين” وتوصف بأنها النشيد الرسمي للمجموعة.

أشبه بدائرة حكومية 

ولعل السبب الرئيسي في الانتشار الواسع للفالوجيين هو ظهور ما يسمى بـ “الفزعة” بينهم وانتقالهم إلى الحياة الواقعية وتقديم الخدمات الاجتماعية ومساعدة المحتاجين، مقدمين صورة مختلفة للشباب السوري في وطن يعاني من الجراح على مدار سنوات الأزمة.

ولا تقتصر المجموعة الفيسبوكية على تمضية بعض الوقت إبعاداً للملل أو لتفريغ بعض الشحنات الشعورية فقط، بل تحولت إلى عمل واقعي لاقى نجاحاً باهراً.

وما إن يطلب شخص من الفالوجيين عملاً  أو نصيحة أو مساعدة، حتى تنطلق “الفزعة”، وتنهال فرص العمل أو المساعدات المالية أو النصائح.. بل أن الفالوجيين أصبحوا بمثابة دائرة خدمات حكومية، فإذا فقد أحد الأشخاص هويته أو نقوده أو طفله، ونشر استغاثة في المجموعة فإن “الفزعة ” تؤمن الآلاف من الذين يسارعون إلى البحث الدؤوب.

إضافة إلى ذلك هناك العديد من النشاطات والحملات الاجتماعية التي اشتهروا بها وأصبحت تقليداً سنوياً في شهر رمضان, منها حملة “فطورك علينا” أو “لمة رمضان” التي تهدف إلى تقديم الوجبات وتوزيعها في الأحياء الفقيرة, كما قاموا بتوزيع الوجبات كسحور لآلاف المصلين في الجامع الأموي أثناء إحياء ليلة القدر في دمشق، وتنظيم احتفاليات ونشاطات متعلقة بالأيتام والعجزة.

وحملة “مونة الشتوية” والتي تبدأ في بداية فصل الشتاء وتهدف إلى تقديم سلل غذائية تحتوي على مونة العائلة وتوزع على الأسر الفقرة والمحتاجة. وحملة “زوجني” والتي تهدف إلى تقديم المساعدات المادية لكل شاب لا يستطيع تحمل تكلفة الزواج، إضافة إلى مساعدة المشردين بفعل الحرب, والمقعدين من خلال تأمين احتياجاتهم بمبالغ تم جمعها من أعضاء المجموعة المنتشرين في الداخل والخارج، وكذلك تقديم تكاليف العلاج لبعض مرضى السرطان.

“فالوجيين” فكرة عمرها ثلاث سنوات، وحققت نجاحا باهراً، واستطاعت تغيير الصورة النمطية لعلاقة الشباب السوري بالانترنت. ويأمل عماد عيسى أن يتم تعميم هذه التجربة، “لتقديم صورة حقيقية عن العلاقة بين أبناء الوطن الواحد وقدرتهم على الحياة والتعاون بعيداً عن الانقسام والحرب, فالأشياء المشتركة بينهم أكبر بكثير من كل الخلافات”.

عزام عبد المجيد علي

إنضموا لقناتنا على التلِغرام
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق