الحقيقة الصـ ـادمة : لدينا فائض من الكهرباء .. للتصدير

تعددت الحرائق والسبب في أغلبه واحد: ماسات كهربائية، تقنين، إساءة استخدام الكهرباء
لم نكد ننسى حرائق سوق الهال والمزة والحميدية والمرجة التي حدثت في بداية التقنين، حتى عادت هذه المرة لتصل لحرائق في منازل السكان؛ انقطاعات الكهرباء المفاجئة (ناهيك عن جهل الجميع بمواعيد التقنين وكأنه من أسرار الأمان الوطني) من دون تنظيم، وعودتها بـ 30 فولت ثم هبوطها أحيانا لـ 80 فولت خلال ثواني، انقطاع وعودة عدة مرات للتيار الكهربائي الذي يحمل أساسا ضغطا مهولا بسبب استخدام كل المنطقة للكهرباء في وقت واحد عند ساعات التغذية لينجزوا الأعمال المنزلية، بما يشمل التدفئة لسكان المنزل وغسل وكي وتنظيف واستحمام وإنارة للطلاب في مدة وجيزة كالسباق؛ تؤدي لتفجر أدق الأسلاك في المدافئ الكهربائية، وحتى السخانات أو مدافئ الغاز، وكل تلك البدائل جاءت لغياب ما كان يستخدمه الناس للتدفئة سابقا، وأصبحت تشعل حرائق بالجملة في المنازل تلتهم السكان بتعذيب أشد من القتل بالرصاص، الموت حرقا حتى الرماد.

هل نحن حقا بحاجة للتقنين؟ لنرى: جاءت الإحصائيات عن كل بلدان العالم كما تأتي كل سنة بناء على دراسات أو استبيانات قادمة من الوزارات في مختلف الدول، لتنطق بأن سورية تنتج في الساعة كهرباء بمقدار 16 مليار كيلو واط الآن! وأنها تستهلك في الساعة عند التغذية الكاملة لكل المناطق 14مليار كيلو واط، مما أهل البلاد لتكون بمرتبة متقدمة في نهاية 2018 من حيث إنتاج الكهرباء مرتبة 83 بين بلدان العالم. قبل الحرب كانت سورية تنتج 34 مليار كيلو واط بالساعة بكامل استطاعة محولاتها ومصانع توليد الكهرباء فيها، وكانت في مرتبة 58 عالميا كأفضل مائة دولة تنتج الكهرباء في العالم، بل وأنها تصدّر من هذه الكهرباء سنويا؛ حيث أنها صدرت من كهربائها الفائضة بمقدار 262 مليون كيلو واط في الساعة إلى بلدان الجوار في سنة 2018، إنتاج عال واستهلاك طبيعي من السكان إن كانوا بتغذية كهربائية جميعهم على مدار الساعة في ذروة ساعات الشتاء. بالمقابل، احتل المواطن السوري المرتبة 152 في ذيل قائمة الاستخدام اليومي للكهرباء، سواء منزلية أو تجارية على مستوى العالم بأسره؛ بمعدل 774 كيلو واط في الساعة فقط، بينما نظيره الإماراتي يستهلك 18 ألف كيلو واط في الساعة لكل مواطن، أما اللبناني فاستهلاكه يصل إلى 2500 كيلو واط في الساعة، أما مواطن الاتحاد الأوروبي الأكثر شهرة بترشيده للاستهلاك الكهربائي فوصل لمتوسط 5 آلاف كيلو واط بالساعة للمواطن كاستهلاك.

قد يكون ترشيد المواطن السوري للاستخدام بسبب غلاء سعر فواتير الكهرباء، حيث يوضح تقرير الأعمال في البنك الدولي لعام 2019 أن كلفة الكهرباء السورية في الشركات والمصانع تتخطى سنويا 223% من كلفة باقي المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج والمكاتب والمحلات؛ يتم حلها من غالبية أصحاب المنشآت باستعارة وتمديد خط كهرباء سري إليهم من باقي الخطوط، حتى لا يتم إيقاف أعمالهم بعد أن بات المازوت بأسعار وندرة، جعلت المحولات وتشغيلها لأداء الأعمال ترفاً كما الكهرباء، وكما كل شيء في بلاد يعدّ فيها أدنى حاجات الحياة في هرم ماسلو الشهير… هو ترف ورفاهية سواء تحدثنا عن خبز أو تدفئة أو حليب أطفال أو كهرباء أو إنترنت أو سكن أو راتب .

نصل لنتيجة أن المواطن السوري أساسا من أكثر الأفراد ترشيدا في استخدامه الكهرباء في ساعات الذروة رغم تفعيله لكل الأجهزة الكهربائية لإنجاز أعماله سواء المنزلية أو التجارية أو الصناعية في ساعات التغذية، ماذا يحدث إذاً؟

نملك فائض كهربائي؛ إنتاج الكهرباء يقوم 15% منه على الطاقة الكهرومائية (لا ندري لماذا لا توظف مليارات الاستثمار الحكومي في توسيع إنتاج الكهرباء من الماء أو الشمس أسوةً بأغنى دول العالم وأفقرها؟؟ قد يكون الجواب بأن ذلك لا يحقق إجازات استيراد للبعض ربما !!) و85% منه على طاقة الفيول، العقوبات هي الحجة الأبرز هنا في نقص الفيول! ولا يدري أحد لماذا لم تطل العقوبات استيراد محولات الكهرباء، وغيرها من مستلزمات الصيانة للمحطات التي بدأت تتدهور بخدماتها المقدمة للناس، كلما اقتربت الحرب العسكرية من الانتهاء… كيف كان ممكناً توفير الفيول طيلة السنوات الماضية؟ ألا يمكن توفيره بنفس الطريقة لتأمين حاجة الناس الأساسية إن كانت شماعة العقوبات دوما حاضرة؟

ألا نستورد الفيول من دول الحلفاء وهم لم يتوقفوا بالفعل عن تقديمه لنا كل سنوات الحرب، رغم العقوبات علينا وعليهم؟ إيران من أكبر منتجي الفيول في العالم، والصين من أكبر منتجي قطع الصيانة والمحركات وملايين الآلات في العالم، وروسيا من أقوى منتجي الغاز في العالم، وجميعهم حلفاء لم يتوقف تقديمهم لأي مادة للبلاد عند حاجتها وفي الوقت المناسب، وأحيانا بدفع مؤجل يعرفه كل الشعب السوري، ويوجه لهم التحيات الطيبات والشكر في كل حين.

يوجد فائض إنتاج ويتم تصديره، والقدرة على تقديم الإنتاج الكهربائي للجوار يدل على وجوده وتوفر وقوده، ويدل أيضا على الأولويات التي تأسر اقتصادنا الحالي؛ التصدير لما نحتاجه حقا كسكان لنوفر قطع أجنبي للبلاد ليستقر سعر الصرف، ونسجل نجاحات اقتصادية لحظية؛ يليه حاجة وصرخة السكان من النقص ليقوم الحل باستيراد نفس المادة بسعر أعلى ويعود سعر الصرف للتراجع بسبب هدر أضعاف ما حصلنا عليه من قطع أجنبي، يرافق ذلك ارتفاعا بالأسعار. والسؤال بناءً على كل ما تقدّم: إلى متى سيبقى المواطن السوري في ذيل قائمة الاهتمامات رغم التوجيهات الرئاسية الصارمة بأن يكون تحسين معيشة الشعب هو أولوية؟

المصدر : الأيام – د. نسرين زريق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق