الرئيسية / محلي / خريجو الجامعات السورية عمال مقاهي ومطاعم !

خريجو الجامعات السورية عمال مقاهي ومطاعم !

لم يعد أمراً غريباً أو مستهجناً أن نجد طلبة الجامعات وخريجيها يعملون في مجالات مختلفة عن مجال دراستهم، وخاصةً أولئك الذين هجّرهم الإرهاب من محافظاتهم، فحطّ الرحال بهم في اللاذقية ليجدوا أنفسهم مضطرين للعمل في مهن ووظائف خارج تخصصاتهم، كأحد الحلول التي قد تكون مؤقتة أحياناً كي يتدبروا أمر مصاريفهم. واقع الحال الذي يجعلنا لا نندهش كثيراً إذا تحدثنا إلى شاب يعمل في أحد المقاهي واكتشفنا أنه يدرس الصيدلة أو يحمل شهادة آداب، فهو وأمثاله من طلبة الجامعات وحملة الشهادات وجدوا أنفسهم بين خيارين، إمّا الترفّع عن قبول أيّة وظيفة والانتظار الذي قد يطول حتى تتوفر لهم فرصة العمل في مجال تخصصهم، وإمّا القبول بالوظيفة المتاحة لتلبية حاجاتهم الماديّة، التي يكون أول شروطها قبول الاستغناء عن شهاداتهم الجامعية متجاوزين ثقافة العيب.

أغلبية الطلبة العاملين في المقاهي والمطاعم هم من المهجرين من أبناء محافظات حلب، دير الزور، الرقة، إدلب، الحسكة، وقد اختاروا العمل لأن أهاليهم لم يعودوا قادرين على إرسال المصاريف لهم من تلك المحافظات. واللافت أنّ هؤلاء الطلبة عندما يصلون إلى اللاذقية أول ما يقومون به هو البدء برحلة البحث عن بعضهم البعض للتشارك في السكن، حيث تجد في المنزل الواحد أحياناً عشرة شبانٍ، ما يجعل من مبلغ الإيجار منخفضاً إذا ما تمّ تقسيمه عليهم جميعاً في ظل عدم وجود سكن جامعي للجميع، والارتفاع الجنوني بأسعار الإيجارات، وخاصة في المناطق القريبة من الجامعة، والذي يتراوح إيجارها بين 35 إلى 75 ألف ليرة سورية شهرياً.

الفتيات مرغوبات أكثر من الشبان

تحتلّ الفتيات صدارة العاملات في المحال التجارية في المحافظة، ويتميزن بكونهن ورقة رابحة لأصحاب المحلات، الذين يفضل أغلبهم تشغيل الفتيات عوضاً عن الذكور، ليس فقط بسبب قدرتهن الكبيرة على رفع مستوى المبيعات، وإنّما لانخفاض أجورهن وقبولهن أيضاً بظروف العمل الصعبة. نور طالبة سنة ثانية صيدلة، مهجّرة من حلب تقول: “أحاول التوفيق بين دراستي وبين عملي في محل بيع أدوات التجميل، ورغم ما أتعرض إليه في بعض الأحيان من مواقف محرجة وتحرّشات من قبل بعض الزبائن، إلّا أنّني مضطرة للبقاء في هذا العمل بسبب حاجتي الماسة إلى المال لاستكمال دراستي، ودفع إيجار المنزل الذي استأجره أنا وزميلات”.

“شو جابرك عالمر”

وفي المطاعم والمقاهي، أصبح أمراً عادياً جداً أن تجد خريجي الجامعات يعملون في المطبخ وفي الصالات، سامر مهجّر من حلب، طالب سنة رابعة هندسة إلكترونية، لم يجد مانعاً من العمل نادلاً في أحد مقاهي المحافظة، وعلى الرغم من أنّها مهنة لا ترضي طموحه، إلّا أنّ لها الفضل في اكتسابه مهارات خاصة، يقول ساخراً: “أصبحت اليوم معلّم نرجيلة مشهوداً له، حتى أنّ الزبائن يطلبونني بالإسم لأعدّها لهم، وهذا يوفر لي إكرامية جيدة رفعتْ دخلي”، ويضيف مستشهداً بالمثل الشعبي “شو جابرك عالمرّ غير الأمرّ منو”، ويقول: “أنا بحاجة ماسة للمال، لأنّ أهلي لم يعودوا قادرين على إرسال المال كي أتابع دراستي في الجامعة، ولذلك وجدت نفسي مضطّراً للبحث عن عمل أستطيع من خلاله أن أصرف على نفسي وعلى دراستي، فرغم ما أتعرّض له من إرهاق، ومن نظرات الشفقة التي يرمقني بها بعض زملائي عندما يرتادون المقهى، إلّا أنّني أشعر بالراحة النفسيّة باعتمادي على نفسي، ولم أعد أشعر أنّني عبءٌ على أسرتي التي بالكاد تستطيع تدبر أمر معيشتها”.

ريثما أحظى بفرصتي الحقيقية

الغريب أنّ خريجي بعض التخصصات المرموقة، والمفترض أنّ سوق العمل يحتاج إليها، لم يجدوا بعد تخرجهم الصورة الورديّة على أرض الواقع، كما في حالة محمد عبد الله الحاصل على شهادة إدارة أعمال، والذي تُخالف قصته مقولة إنّ السوق مفتوحٌ على مصراعيه لتخصصات معينة، إذ يقول: “بعد تخرّجي قدّمت أوراقي لعدة شركات عامة وخاصة، وطال انتظاري للردّ الذي لم يأت، فقررت توسيع نطاق البحث في مجالات أخرى والقبول بأفضل الموجود، وكان أفضلها الوظيفة التي أعمل بها حالياً كمندوب مبيعات في شركة تجارية، حيث أعتبرها وظيفة مؤقتة اكتسب منها خبرة في التسويق حتى أجد فرصتي الحقيقية”.

بطالة مثقفة!

وائل مهنا منصور الدكتور في الاقتصاد وصَفَ بحثُ الخريجين والطلاب الجامعيين عن فرصة عمل بــ”البطالة المثقفة”، باعتبار أنّ كل من هو في سن الشباب ولديه المقدرة على العمل ويبحث عن فرصة، ولا يجدها يسمى عاطلاً عن العمل، ويؤكّد أنّه يجب أن تتناسب فرصة العمل مع المستوى التعليمي والمهني لطالب العمل، فلا يجوز أن يعمل خرّيج كليّة الهندسة في مكان غير مناسب مع ثقافته التعليمية والمهنية.

ويضيف منصور عن نتيجة الحرب الإرهابية التي تتعرّض لها سورية، وتعطيل عجلة الإنتاج بسبب توقف المصانع، وبعض الفعاليات الاقتصادية في الكثير من المناطق، وارتفاع تكاليف المعيشة، والبحث عن مصدر دخل إضافي، ويتركّز ضغط الباحثين عن فرص العمل في المناطق الآمنة، واللاذقية واحدة من بين الوجهات التي قصدها العديد من الباحثين عن العمل، وخاصة طلبة الجامعات الذين نقلوا دراستهم إلى جامعة تشرين، وبدؤوا بالبحث عن فرصة عمل لتغطية نفقات الدراسة والمعيشة والسكن، ممّا أدّى إلى التزاحم على شغل الوظائف دون مراعاة التخصّص العلمي للراغبين بالعمل، ناهيك عن تنازل طالب العمل عن بعض الشروط، والقبول على مضض بمستوى أجر منخفض قياساً بما هو مفروض أن يحصل عليه.

وبحسب منصور، فإنه يلاحظ وجود شريحة كبيرة من طلبة الجامعات يعملون في أماكن عمل لا تتناسب ومقدراتهم العلمية أو التعليمية، وذلك بهدف تأمين دخل أو مورد إضافيّ لتغطية نفقات الدراسة وخاصة في التعليم المفتوح والخاص، فمثلاً نشاهد قسم من طلبة الجامعات يعملون في مهن لا تحتاج إلى خبرة كبيرة مثل المقاهي والمطاعم السياحية ويحصلون على أجر مقبول بالنسبة لهم في ظل عدم وجود فرص بديلة مناسبة، وهذا يندرج أيضاً ضمن الأعمال الموسميّة المرتبة وفقاً لدوام طلبة الجامعات.

ويشدّد منصور على أنّ العمل لا يؤثر سلباً على دراسة غالبية الطلبة إذا عرفوا كيفية تنظيم الوقت بشكلٍ جيد، والتنسيق بين الدراسة والعمل، حتى أنّ بعض الطلبة الذين يعملون ويدرسون في آن معاً هم من الطلبة المتفوقين علمياً.

الأيام السورية